أبي الفرج الأصفهاني

287

الأغاني

وقال المدائين في خبره : خبير بلغة الحمير كان خالد يوما يخطب على المنبر . وكان لحنة ، وكان له مؤدب يقال له : الحسين بن رهمة [ 1 ] الكلبيّ ، وكان يجلس بإزائه ، فإذا شك في شيء أومأ إليه ، وكان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم ، فلما قام يخطب على المنبر قام إليه التغلبي في وسط خطبته ، وقال : قد حضرتني مسألة ، قال : ويحك ! أما ترى الشيطان عينه في عيني ، يعني حسينا ، قال : لا بد واللَّه منها ، قال : هاتها ، قال : أخبرني ، قلمسان [ 2 ] إذا ساف [ 3 ] ، ثم رفع رأسه وكرف [ 4 ] أيّ شيء يقول ؟ قال : أراه يقول : ما أطيبه يا رباه ، قال : صدقت ما كان ليستشهد على هذا سوى ربه . رأيه في حفظة القرآن قال المدائني : وقال خالد يوما على المنبر : هذا كما قال اللَّه عز وجل : أعوذ باللَّه من / الشيطان الرجيم ثم أرتج عليه ، فقال للتغلبي : قم فافتح عليّ يا أبا زمزم سورة كذا وكذا ، فقال : خفّض عليك أيها الأمير ، لا يهولنّك ذلك ، فما رأيت قط عاقلا حفظ القرآن ، وإنما يحفظه الحمقى من الرجال ، قال : صدقت ، يرحمك اللَّه . يهب المغنية للقصاص وقال المدائنيّ : حدّثني أبو يعقوب الثقفيّ ، قال : قال خالد بن عبد اللَّه للعريان : يا عريان ، أعجزت عن الشّرط ، حتى أولَّي / غيرك ! فإن الغناء قد فشا وظهر قال : لم أعجز ، وإن شئت فاعزلني ، فقال له : خذلى المغّنيات ، فأحضره خمسا منهن أو ستّا ، فأدخلهنّ إليه ، فنظر إلى واحدة منهن بيضاء دعجاء ؛ كأنّها أشربت ماء الذهب ، فدعا لها بكرسيّ ، فجلست . ثم قال لها : اين البربط [ 5 ] الذي كانت تضرب به ؟ فأحضر ، ثم سوّته ، فغنت : إلى خالد حتّى أنخن بخالد فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل فقال : اعدلي عن هذا إلى غيره ، فغنّت : أروح إلى القصّاص كل عشيّة أرجّى ثواب اللَّه في عدد الخطا قال : وأقبل قاصّ المصر . فقال له خالد : أكانت هذه تروح إليك ؟ قال : لا ، وما مثلها يروح إليّ ، قال : خذ بيدها فهي لك ، ومولاها بالباب ، فسأل عنها فقيل : وهبها للقاصّ ، فتحمّل [ 6 ] عليه بأشراف الكوفة ، فلم يرددها ، حتى اشتراها منه بمائتي دينار .

--> [ 1 ] في بعض النسخ : دهمة . [ 2 ] كذا بالأصل ، والذي في هج وهد : أخبرني عن الحمار إذا ساف وكرف ، ثم رفع رأسه ، وكرف ، أي شي يقول ؟ « وليس بين أيدينا من المعاجم ما يفيد أن كلمة » قلمسان « تطلق على الحمار أو غيره . [ 3 ] ساف : شم . [ 4 ] كرف الحمار وغيره : شم بول الأتان ، ثم رفع رأسه ، وقلب جحفلته . [ 5 ] البربط - كجعفر - العود ، وهو لفظ معرب عن « بر » ، « بط » بمعنى صدر الإوز ، لأن شكل العود يشبه شكل صدر الأوز . [ 6 ] تحمل : توسل .